منتديات صوت الإسلام صوت الأحمدية
مرحبا بك في منتدى صوت الاسلام صوت الاحمدية

لتتمكن من الإستمتاع بكافة ما يوفره لك هذا المنتدى من خصائص, يجب عليك أن تسجل الدخول الى حسابك في المنتدى. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك لإنشائه.

البِدع في حياة المسيح

اذهب الى الأسفل

البِدع في حياة المسيح

مُساهمة من طرف ياسر2011 في الثلاثاء يونيو 28, 2011 2:12 pm


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :

إخوتي الأفاضل ، سلام الله عليكم

يُعتبر المسيح عليه السلام
النبيّ الوحيد الذي نال القسط الوافر من الخصوصيّة وضروب الاستثناء ، ولعلّ من الواجب أن نبيّن في مقامنا هذا بعض خصوصيات المسيح وبعض الاستثناءات التي أُورِدت في حقّه .

إنّ جميع الرسل والأنبياء قد أُرسلوا مرّة واحدة ، لمهمّة واحدة ، وإنّ القول بجواز بعثة نبيّ إلى أمتّين اثنتين مع انتسابه إلى إحداهما هو في الحقيقة ممّا يثير الكثير من التساؤلات في فكر كلّ مسلمٍ يُريد أن يفهم دينه على نحو من العقلانيّة والمنطق.وللتذكير ، فإنّ الله تبارك وتعالى ، هذا الإله العالم بأدقّ دقائق الأمور ، علماً قديماً أزليّاً ، من المستحيل بأي شكلٍ من الأشكال أن يبعث في أمّة رسولاً أو نبيّاً دون سابق تخطيط حكيم . إنّ أوهن بني البشر ، من القادة والزّعماء ، قد بيّن التاريخ أنهم نجحوا في الكثير من معاركهم لحسن تخطيطهم وسداد حكمتهم ، فهل من المعقول –ولله المثل الأعلى – أن يبعث الله بن مريم في أمّة دون سابق تدبير ؟

إنّ كلامي هذا ليس ما أنا عليه من اعتقاد ، وإنما هو استفهام أستنكر به قول الذّين يسعون ليل نهار لكي يُثبتوا أنّ الوسيلة التي أنجى الله بها مسيحه من مكر اليهود كانت رفعه بجسده الماديّ إلى السّماء.إنه الوحيد من بين جميع الأنبياء والرّسل من نجا على هذا النحو الذي يستحبّ الكثير من المسلمين –من هواة الغرابة والإثارة- أن يؤمنوا به .إنّ التناقض في كلامٍ كهذا أبعد من أن يُحصر في سطورنا هاته ، إذ أنّ المسيح ومع أنّ الله قد رفعه إلى السماء بجسده الماديّ إلاّ أنه " أنامه " قبل رفعه ، فأيّ علمٍ يستفاد من هذا ، أو يزيد المسلم قُرباً ووصالاً ، أو ينهاه عن منكرٍ أو يأخذ بيده إلى معروف..

إنّ كلّ من يجد في عقله ذرّة من عقل ، يجب أن تستوقفه عبارة كهاته ولو فرضنا –مضيعة للوقت- أنّ الله قد أنام المسيح قبل رفعه إلى السّماء ، فهل ليس من الواجب أن تكون لهذه الإنامة حكمة وغاية ؟ وباعتبار كتابِ الله هدياً عظيماً في كلّ معانيه ، فما الهدي الذي يجنيه مسلم من إيمانه بإنامة المسيح؟

إنّ الله تبارك وتعالى قد بيّن في كتابه العزيز ما هو النّوم وما أغراضه فقال جلّ وعلا :" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا" ، وقال أيضا:" وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا " ، ويقول أيضا جلّ وعلا :" وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ". فتبيّن ممّا سبق أنّ النوم مظهر برحمة الله بخلقه لضعفهم وحاجتهم ، فمنّ الكريم علينا أن جعل فينا هاته الآية العظيمة ، وإنها آية باقية بقاء ابن آدم على وجه البسيطة ، لكنْ ، أن يكون الله قد أنام المسيح لغاية لم يذكرها القرآن ، ففي الأمر تفصيلٌ آخر ..

لو أردنا أن نغوص سويّاً في قول كهذا لتبيّن لنا ، أننا في الحقيقة ، نغوص نحو تناقضات واختلافات أكثر فأكثر ، ولبّ الكلام أننا لو فرضنا جدلاً أن الطبيعة البشرية للمسيح لم تكن لتسمح له بالرقيّ إلى السماء من غير نوم فالسؤال الذي قد فرض نفسه هنا : كيف لطبيعة بشرية غير قابلة لتحمّل الرفع إلى السماء أن تحتمل الحياة فيها لمدّة تزيد عن ألفي عام وبالإضافة إلى كلّ ما نبيّنا لحضرتكم ، فإنّ الله تبارك وتعالى قد أوضح في موضع آخر ، ما هو التوفّي حيث يقول :" اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ، فبيّن إماتتين اثنتين؛إحداهما تنبيهيّة ، آية للعالمِين والثانية قضائيّة آية للمتكبّرين ، فالمؤمن الحقّ هو الذي يعتبر من مجرّد تنبيهه أنّه يموت كلّ يوم ، فيشمّر وينتهي ويستعدّ ، والمتكبّر لا يعتبر إلاّ إذا غرغر ، فيتجبّر ويطول أمله في الحياة وركونه إليها فلا يهتم.وإنّ الأهمّ من قولنا هذا ، أن نوضّح أنّ الله تبارك وتعالى قد بيّن أصل كلمة "التوفّي" وهو "الإماتة" كما فسّر به بن عباس رضى الله عنه مستدلّا بآية السّجدة ، لذا فقد قال تكملة للشّطر الأوّل من الآية :"فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ" فأجرى قضاءه قبل عطائه ، أي الأصل قبل الفرع ؛ لأنّك مازدت يوماً حيّاً إلاّ من عطاء ربّك وبالغ حكمته وروعة خلقه . والفرع ؛ حين أشار إلى معنى ثانٍ للتوفّي إذا ارتبطت الكلمة بقرينة ما ، تصرفها عن أصلها فقال :" فِي مَنَامِهَا" فكان معنى التوفّي ههنا :"الإنامة". ومن الواجب أيضا أن نبيّن أنّ كلتا الموتتين تقتضي انفصال الرّوح عن الجسد ؛ فانفصال الأرواح عن الأجساد هو السّبب في رؤية المنام والرّؤى ، ولقد قال تعالى أيضاً:" وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ"؛ فالنبيّ (ص) ما ارتقى بالجسد ليرى عالم الأرواح ، وإنّما ارتقى بروحه إلى عالم الأرواح ، ليرى أرواح الأنبياء ، وليعلم مقامه الرّوحانيّ العظيم أيضاً ألا ترى كيف كان يسأل وجبريل يأتي بالتأويل؟ أتُنكِر شهادة زوجه وتتّبع الأقاويل ؟...تريّث ولا تكن من المستعجلين.

مع أنّ الله تبارك وتعالى قد رفع المسيح إلى السماء بجسده الماديّ العنصريّ إلاّ أنه -والعياذ بالله- قد ألقى شبهه على إنسان آخر ، ومهما كان هذا الإنسان ، فإنّ مثل هذا القول ممّا يُنسب إلى قائليه ، لأنّ الشبه لو أُلقي على أحد حوارييه أو حتّى على أحد أعدائه لكان حجّة لليهود والنّصارى يوم القيامة أمام الله ، وهذا ما لا يصحّ.لأنّ الله حكم على طائفة منهم فقال :" الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ " وحكم في أخرى وقال"الضَّالِّينَ" وما كان حكمه هذا إلاّ جزاءً لحكمهم في مسيحهم لا غير .ألا ترى أنّ القول بأنّ الذي وضع على الصّليب لم يكن المسيح نفسه يوردُ خللاً عظيما في فهم الآيات ، بل خللاً في القرآن أيضاً ، وفي الرّسالة كلّها . فكيف يحكم الله عليهم بالغضب والضّلال في شأن مبعوثه بسبب حكمهم على إنسانٍ آخر لم يكن مبعوثاً من الله أصلاً ..... أليس هذا – والعياذ بالله – قسوة ما بعدها قسوة من الله ؟ هو الذي استهلّ كتابه بالرحمة للعالمين حين قال :" الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"؟ وهل قتْل اليهود لإنسانٍ ما يوجِبُ ذكرهم في السّبع المثاني على هذا النحو من التّرهيب ؟ ولو لَم يكن مكرهم في نبيّهم،بل في غيره ، لصحّت صلاةٌ بلا فاتحةٍ يا أولي الألباب....أَلِأنّهم قتلوا إنساناً عاديّاً حُقّ لهم الذّكر في القرآن ؛ إن هذا قول من لم يعلم شأن فاتحة الكتاب. ولا طرق الباب ولا بكى ولا تضرّع ؛ ولقد ختم الله عليهم هاته السّورة العظيمة إشارة إلى أنّهم اختلفوا في خاتم أنبياء سلسلتهم ....ألا تقرؤون قوله تعالى :" وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ " ....فاتّعظوا يا أولي الأبصار.

ولو فرضنا أنّ إلقاء الشبه حاصل ، فهل لتلميذ المسيح الذي ألقي عليه الشّبه ذنبٌ استحقّ من أجله اللّعنة بالنصّ التَّوراتيّ ؟ وهل كان التلميذ أشجع من المعلّم حتّي يحمل عنه ابتلاءه ؟ أهاته شِيَمُ الأنبياء التي نحن بها مقتدون ؟ وما حاجة الله لإلقاء الشبه بعد رفع المسيح عليه السلام ، وهل يُعتبر هذا الرّفع في الحقيقة رفعاً دالّاً على نصرة الله لعبده المسيح ، وأين السّياحة التي قام بها المسيح حتّى يسمّى مسيحاً ، ومتى سيجمع خراف بني إسرائيل الضالة إذا وضع الله لمهمّته حدّا في حادثة الصليب ؟ وأين الإطار التاريخيّ العقائدي لهاته الأمة في طرح القائلين بهذا القول .

إنّ الذين يتكلمون بمثل هاته الأقوال ، هم في الحقيقة يحاولون اختلاق عقائد كثيرة فقط لسدّ الفراغات الشاسعة في قصّة المسيح ؛ إنّه عليه السلام نبيّ مرسل ، ولعلّ من المحتّم علينا أن نذكّر أن أشجع خلق الله هم الأنباء أيها الأفاضل ، وإنّ الذين يوردون أنّ المسيح عرض موته على حوارييه مقابل أن يكونوا أحد رفاقه في الجنّة ، إنما هذا من أفسد ما قيل في حقّ الأنبياء.

إن الذي يؤمن أن إبراهيم الخليل عليه السلام قد كذب ثلاث مرّات ، من اليسير عليه أن يقول ما هو أعظم في حقّ الأنبياء ، وإنّ الذين يظنّون أن مكر الله هو احتيالٌ بالمفهوم الدنيوي الصّرف من البسيط جدّاً أن يؤمنوا بما هو أبعد بكثير من هاته الأقوال ...

ولمّا كان المسيح عليه السلام قد بُشّر بالسلام الذي يأويه ويعمّه ، مصداقا لقوله تعالى : وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا فما الذي دفعه للمساومة أمام الابتلاء ، باقتراحه صلب أحد حوارييه عوضاً عنه ...؟
إنّ من الصراحة بمكان أن يتساءل المرء قائلاً : هل أدّى المسيح عليه السلام مهمته كاملة قبل رفعه إلى السماء ، أم أنّها أُجّلت إلى آخر الزمان ولو أنها فعلاً كذلك ، فهل يدلّ هذا التأجيل على شيء غير محاولة إقناع الناس بأنّ تأجيل مهمّته خصوصيّة للمسيح على عكس السنن الجارية في جميع الأنبياء ؟ وهل يدلّ إلاّ على نجاح مكر اليهود ؟ إنها عقيدة لا تخلو من انتقاص ،فانظر ماذا ترى ..إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين.

إنّ يونس عليه السلام ، قد تعرّض لما هو أصعب بكثير من صلب المسيح ، فقد التقمه الحوت في عاصفة هوجاء ، ولكنّنا نرى أن القرآن بيّن أن هذا النبيّ الكريم قد استعمل حربة من الحراب الفعّالة فقال : أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ، وإنّ إبراهيم الخليل عليه السّلام قد أُدخل النّار أمام أعين النّاس، فهل اقترح على غيره أن يتحمّل عنه مسؤوليّته في سبيل تأصيل التوحيد وطمس الشّرك ؟ وهذا ، محمّد صلى الله عليه وسلّم ، أعظم من يقتدي به بنو الإنسان ، هل ثبت في سيرته أن عرض يوماً على أحد صحابته أن يتحمّل عنه شيئاً....؟

إنّ كلاماً كهذا أيها الأفاضل ، لا يدلّ إلاّ على أنّ القائلين بمثل هاته الأقوال يحاولون بأيّ شكلٍ من الأشكال أن يجرّدوا الاعتقاد من كلّ عقلانيّة ومنطق ومن كلّ السنن الإلهية الجارية في أنبيائه ورسله .

ولعلّ مما لا يحتاج إلى كتابة الكثير من السطور ، أن يعلم المرء أن إلقاء الشبه على أحد أعداء المسيح ممّا يسيء أيّما إساءة إليه ، كيف يُلقى شبه نبيّ مرسل على كافرٍ شقيّ ؛ إنها فرية ما بعدها فرية ..إنّ إلقاء شبه أحد الأنبياء على إنسانٍ ما ، إنّما هو تكرمة لهذا الإنسان ، فتخيّل أيها الفاضل لو أنّ فيك ذرّة تُشبه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، هل هذا ممّا زان الله به خلقتك أم مما يُشينك ؟

وممّا يدعو فعلاً إلى العجب ، أنّ الرسول صلى الله عليه في معراجه قد التقى الكثير من الأنبياء ، ومن المعلوم لدينا ومن المتّفق عليه أن كلّ هؤلاء هم أمواتٌ بالنسبة إلينا ....عفواً ؛ إلاّ المسيح ؟؟ فلم كلّ هاته الاستثناءات في حقّه عليه السّلام ، وما الهدف من ورائها ....

إنّ القول بحياة إنسانٍ في السّماء ، وحياته لمدّة تفوق ألفي سنة ، وصعوده إلى السماء ، ونزوله آخر الزّمان ، وإحيائه الموتى إحياءً حقيقيّاً وموت جميع الأنبياء إلاّ هو وعبادة الناس له ... إنّ هاته الأوصاف لا تليق إلاّ بمن كان فعلاً إلهاً...

يتّضح جليّاً أن محاولة إكساب المسيح لصبغة إِلَهِيّة ، غير صبغته البشرية الفانية ، وأنّ جلّ الاستثناءات في حقّه هي في الحقيقة ممّا تسرّب من المسيحية إلى الإسلام ، وممّا لا شكّ فيه أن القرآن قد صرّح بما لا يدع مجالاً لأدنى ريب أن ارتقاء بشرٍ إلى السّماء جوابه :"...... قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا". إنّ هاته الإجابة حينما كانت أمراً صريحاً من الله في حقّ محمّد(ص) فهي من باب أولى، أمرٌ لمن هم دونه من الأنبياء ولعلّ مما لا نختلف فيه ، أنّ المسيح عليه السلام ممّن هم دونه، صلى الله عليه وسلّم.

عندما تغيب العقلانيّة عن العقائد ، فإنّ هاته الأخيرة تسبح في فضاء لا حدود له كالنّاقة لم يعقِلها صاحبها ، إنّ من الواضح الجليّ أنّ السنن الجارية في حقّ جميع الأنبياء ، لا بدّ أن تجري في حقّ المسيح عليه السلام أيضاً ، وليس من العدل بتاتاً أن يحاول المرء لتعصّبه تعطيل هاته السنن، أو أنْ يُجريها في هذا ويمنعها في حقّ ذاك ؛ والحقيقة أنّ الكثير من المسلمين من يرى أنّ القول بحياته في السماء أسلم محاولة منهم للتوفيق مع الرّوايات التي تذكر نزوله (وليس نزوله من السماء) آخر الزّمان ..
لقد ضلّ اليهود والنّصارى في نفس النّقطة التي سيضلّ فيها الكثير من المسلمين ، نسأل الله الهداية للجميع ، إنهم اعتقدوا طبقاً لنبوءاتهم التوراتية أنّ يحيى عليه السلام سينزل من السماء ؛ لكنّ التاريخ أثبت أنّ يحيى لم ينزل من السماء بل كان فيهم .إنهم اختلفوا في فهم نبوءة كما نختلف نحن اليوم في تفسير حديث ، ولعلّ الله كان بنا أرحم ؛ حين أهدى إلينا هاته الدرّة العذراء من القرآن ...إنّه تحذير عامٌ من السير على نهجهم ، ولعلّ السطور تطول أكثر لو أننا فصّلنا في هاته النقطة...

وممّن اخترقوا جميع السنن الإلهيّة ، وتكلّموا قبل الأوان عيسى عليه السلام ، إنّ المسلمون يحبّون فعلاً قصص الأنبياء ، لكنّ غالبيتهم تحبّذها أكثر عندما تكون قد بلغت من الغرابة والإثارة مبلغاً جعل منها صالحة في زماننا هذا حتّى أن تُعرض على شكل أفلام يقضي الإنسان جلّ وقته أمامها ، خصوصاً في شهر التشمير والسعيّ ؛ شهر رمضان ..إن كلامه في مهده باعتبار المهد إشارة إلى صغر سنّه كان بالنّسبة للكثير من المسلمين سمة يتباهون بها ، ظانّين أنّ قولهم هذا، تشريفٌ للمسيح وأن غير هذا القول انتقاص في حقّه ؛ وربّما من الأسباب الرئيسية لكلّ هاته العقائد الفاسدة بُعد المسلمين عن لغتهم الأمّ ، هاته اللّغة العظيمة التي لم يتبقّى للمسلمين منها سوى التغنّي بأشعار سابقيهم. إنّ اللّسان أيها الأفاضل عطاءٌ ربّانيّ جليل ، وإنه آية جليّة على صدق المبعوث ، وما كان ولن يكون أبداً مجرّد خاصيّة تميّز بها الإنسان عن غيره بالكدّ والاجتهاد ..

إنّ الذين يرون أن من الممكن للإنسان أن ينال فيضاً حقيقياً من اللّسان بالطريقة الكسبية ، هم في الحقيقة يجعلون- والعياذ بالله - تأبّط شرّاً ، والمتنبّي وغيرهم من النوابغ ، ونبيّهم صلى الله عليه وسلّم على حدّ السواء من الفضل ؛ فلعلّ الله يهدي ، إنه وليّ ذلك والقادر عليه ...

ولما كان من المعتقدات الواضحة لدى غالبية المسلمين أن المسيح سيعود آخر الزمان ، كان عليهم أن يجدوا مخرجاً للتوفيق بين قولهم هذا وبين بقاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم آخر الأنبياء مبعثاً ؛ ولمّا كان بُعد المسلمين عن دينهم قد لاح في الأفق ، لم يكن من الصعب بتاتاً أن يجدوا عذراً ما أو حتّى طريقة ما للإبقاء على رسولهم في مرتبة آخر الأنبياء. ولعلّ مما يثير الدهشة فعلاً أن يُبرّر هذا البقاء بأنّ عيسى سيأتي تابعاً للرسول (ص) وكأنّ مجيئه على هذا النحو ، سيمنع مجيئه ؟؟

إنّ هاته الأطروحة العجيبة تدعونا إلى التذكير أنّ ترتيب الأنبياء كان ولا يزال وفق سلّمٍ زمنّي واضح ، ولا داعي للقول إطلاقاً أن عَمر ، يبقى آخر من جاء لأنّ زيداً جاء بنفس الكتاب الذي جاء به عمر مثلاً ، إنّني والله في أقصى درجات الإحباط في مقامي هذا ؛ كيف يقبل عاقلٌ مثل هذا الكلام؟ ولعلّ المرء يتساءل : هل تصلح قاعدة كهاته في كلّ الظروف أم هي حِكرٌ على هاته العقيدة بالذّات ؟ لقد جاء عيسى على عقب موسى عليهما السلام ، ومع أن عيسى جاء لإحياء الناموس الذي جاء به موسى إلاّ أنه لا يوجد على وجه الأرض من يقول :إنّ موسى هو آخر السلسلة الموسويّة...

إنّ إقرار المرء بأنّ نوح عليه السلام قد عاش فعلاً ألف سنة إلاّ خمسين عاماً ليس في الحقيقة إلاّ تبريراً لتقاعسه تجاه هذا الدّين ، إنّ الذي يبتغي هداية من الله ، من الواجب عليه أن يُجاهد ، حاملاً الرّاية البيضاء ، بكلّ ما يملك في سبيل الكشف عن حقيقة ما ، ولعلّ من المدهش فعلاً أن يعيش بشرٌ ألف سنة تقريباً ، بل إنه مدهشٌ فعلاً ، إلاّ أن الذي يبتغي الدهشة والإثارة والغرابة ، عليه أن يطرق الباب الصّحيح ؛ لا لسبب إلاّ لأنّ كتاب الله جلّ وعلا لا يكترث إطلاقاً لمثل هاته الغايات البالية التي لا تعلن عن شيء سوى عن مَللِ صاحبها ، وشقاوتهم التي لاحت في الأفق .
إنّ كتاب الله أيها الأفاضل هو كتابٌ من الله ، فهل يَقدُر عاقلٌ ربّه إذا نَسَب إليه مثل هاته الغايات ...إنه كتاب لا مثيل له ، وإنّه بحرٌ موّاجٌ يفوح كلّ يوم بعطر جديد ، يزيد الإنسان قرباً من الله، ويبعث فيه روحانيّته التي منه سُلِبت بشرط أن يتواضع قليلاً بارك الله فيه .

وإنّه لممّا يدعو على الحسرة ، أن يعتقد المسلمون أن هذا الكتاب العظيم ، بالرغم من كونهم يعتقدون أنه صالح لكلّ زمانٍ ومكان ، إلاّ أنهم مقرّون أن ابن كثير رحمه الله وغيره من المفسّرين قد فَصَلوا في نكات هذا الكتاب ...إنّه أعظم انتقاصٍ على وجه الأرض ، وإنها أشنع جريمة في حقّ هذا الإله ؛ لا أدري والله ، كيف يمكن للمرء أن يظنّ ولو للحظة أنّ المخلوق قد تمكنّ من توضيح نكاتِ الخالق منذ مئات السّنين .إنّ كلاماً كهذا لا يصحّ حتّى في دراسة الإنسان لمؤلًّف من مؤلفات أخيه الإنسان ، لأنّه من المحتمل ألاّ يصل الكثير من النقّاد إلى الغاية التي أرادها المؤلّف من فكرته التي سردها في مؤلّفه ؛ لكن أن يقال كلامٌ كهذا في حقّ الفرقان...هذا ما لا يقبله إلاّ متواطئ في هاته الجريمة....

لقد أثبت العلم الحديث أنّ الطبيعة البشرية تمرّ بالمراحل الثلاثة من التطور ، بين طفولة ، وكهولة و شيخوخة ، ويتبع هاته المراحل فتور الأعضاء وهزالة الجسم ، ومع أنّ الجميع متّفق حول هاته النقطة ، إلاّ أنهم يؤثرون الخرافة عن الحقيقة البيّنة ظانّين بذلك ، أنهم لو قالوا بما تشاهد أعينهم فإنهم قد أساؤوا إلى الدّين.. و إنّ من المسلمين اليوم من يظنّون أنّ الإيمان باللّامعقول هو خدمة جليلة للدّين ، متناسين بذلك أن القرآن نفسه لا يدعو إطلاقاً إلى إقصاء العقل ، بل على العكس من ذلك إنه مليء بـ750 آية تحثّ على إعمال العقل والتدبّر في ملكوت الله ولعلّه مما يكفي بعض المسلمين لو قلنا ؛ أنّ رفع التكليف على غير العاقل دليلٌ كافٍ على أنّ الذين لا يجدون في مناهجهم توافقا مع العقل ، عليهم - قبل فوات الأوان - أن يستدركوا ما فاتهم من خير، وأن يصحّحوا الكثير من العقائد التي باتت عثرة في طريق النهوض بالإسلام.

هذا والله أعلى وأعلم وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
avatar
ياسر2011
عضو نشيط
عضو نشيط

رقم العضوية : 41
تاريخ التسجيل : 28/06/2011
عدد المساهمات : 12
نقاط : 42

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: البِدع في حياة المسيح

مُساهمة من طرف علي رحمة في الأربعاء يونيو 29, 2011 10:52 am

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله اخي ياسر علي هذا المقال القيم احسنت .

_________________
خادمكم علي رحمة
avatar
علي رحمة
مشرف عـام
مشرف عـام

رقم العضوية : 17
تاريخ التسجيل : 20/06/2011
عدد المساهمات : 91
نقاط : 238
الموقع : http://www.agweba.com/main/default.asp

http://ansar-alahmadiyya.jimdo.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى